العلامة المجلسي
90
بحار الأنوار
منها بل يبقى بينها فضاء ، فأما الشكل المستجمع لكلتا المنفعتين فليس إلا المسدس ، وذلك لان زواياها واسعة فلا يبقي شئ من الجوانب فيه معطلا ، وإذا ضمت المسدسات بعضها إلى بعض لم يبق فيما بينها فرجة ضائعة ، فإذا ثبت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هذا المسدس لا جرم اختار النحل بناء بيوتها على هذا الشكل ، ولولا أنه تعالى أعطاها من الالهام والذكاء لما حصل هذا الامر ، وفيه أعجوبة ثانية وهي أن البشر لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالمسطر والبركار ، والنحل يبني تلك البيوت من غير حاجة إلى شئ من الآلات والأدوات . واعلم أن عجائب أحوال النحل في رياسته وفي تدبيره لأحوال الرعية ، وفي كيفية خدمة الرعية لذلك الرئيس كثيرة مذكورة في كتاب الحيوان . الثالث : أن النمل يسعى في إعداد الذخيرة لنفسها : وما ذاك إلا لعلمها بأنها قد تحتاج في الأزمنة المستقبلة إلى الغذاء ، ولا تكون قادرة على تحصيله في تلك الأوقات فوجب السعي في تحصيله في هذا الوقت الذي حصلت فيه القدرة على تحصيل الذخيرة ، ومن عجائب أحوالها أمور ثلاثة : أحدها أنها إذا أحست بنداوة المكان فإنها تشق الحبة بنصفين لعلمها بأن الحبة لو بقيت سالمة ووصلت النداوة إليها لنبت منها وتفسد الحبة على النملة ، أما إذا صارت مشقوقة بنصفين لم تنبت ، وثانيها : إذا وصلت النداوة إلى تلك الأشياء ثم طلعت الشمس فإنها تخرج تلك الأشياء من حجرها وتضعها حتى تجف وثالثها : أن النملة إذا أخذت في نقل متاعها إلى داخل الحجر أنذر ذلك بنزول الأمطار وهبوب الرياح ، وهذه الأحوال تدل على حصول ذكاء عظيم لهذا الحيوان الصغير . الرابع : أن العنكبوت تبني بيوتها على وجه عجيب وذلك لأنها ما نسجت الشبكة التي هي مصيدتها إلا بعد أن تفكرت أنه كيف ينبغي وضعها حتى يصلح لاصطياد الذباب بها ، وهذه الأفعال فكرية ليست أقل من الأفكار الانسانية . الخامس : أن الجمل والحمار إذا سلكا طريقا في الليلة الظلماء ففي المرة الثانية يقدر على سلوك ذلك الطريق من غير إرشاد مرشد ولا تعليم معلم ، حتى أن